من وما الذي يقوّض استقرار المجتمع المسيحي؟
لا شك أن المجتمع المسيحي مصاب بالإرباك بسبب وجوده في مرحلة تاريخية تحمل تحوّلات كبرى في السياسة الدولية، تحتّم عليه فكّ الارتباط مع غربٍ تقليدي سبق وارتبط به إنسانياً وثقافياً، وشكّل له حمايةً في لحظات تاريخية صعبة وخطرة في القرون الماضية، ولكنه خذله مراراً في أيامنا هذه، وتحديداً منذ العام 1948. وبالتالي على المجتمع المسيحي الآن أن يتأقلم مع المعطيات الجديدة، ويكون أكثر تفاعلاً مع محيطه الداخلي، فيتناغم معه ويشاركه السّراء والضراء، ويشجّع على ثقافة الانفتاح والتفاهم والبناء، بدل الانغلاق والخوف والتصادم، خصوصاً وأن مجتمعنا حريص على حرية المعتقدات بجميع أشكالها السياسية والدينية، ويحترم حق الاختلاف.
إن علاقة الموارنة مع الغرب تعود إلى ما قبل قيام الكيان اللبناني الحديث وقد تطورت هذه العلاقة على مدى قرون من الزمن قاربت التسعة، ما سمح لهم بمواكبة عصر النهضة في أوروبا انطلاقاً من ايطاليا في القرن السادس عشر، ومتابعةً من فرنسا في القرن السابع عشر. وقد ساعدتهم هذه العلاقة الثقافية على القيام بأدوار طليعية في النهضة العربية في القرن التاسع عشر.
لقد اتخذت هذه العلاقة أشكالاً مختلفة، وتكرست بعد المجازر التي ارتُكبت على الموارنة في قائممقامية الدروز، ببروتوكول 1861، الذي أعطى الدول الأوروبية دوراً في حماية الأقليات المسيحية والدروز، وأبقى الشيعة والسنّة في عهدة الدولة العثمانية.
هذا التاريخ لا يزال في العقل اللاواعي لبعض المسيحيين، يشدّه الى ماضٍ لم تعد مقوماته متوفرة، ويمنع عليه خيارات جديدة مع محيطه الطبيعي الذي تمايز عنه لفترات زمنية طويلة. هذا البعض كانت خياراته السياسية الاخيرة متناقضة أحياناً، ومشلولة أحياناً أخرى؛ يتصالح مع سوريا ويخاصمها في آن، يريد أن يعيش محايداً على حدود إسرائيل ولا يملك القوة لحماية حياده، لا من الداخل ولا من الخارج...
إن ما يقوم به الغرب اليوم هو منع التفاهم بين مكونات المجتمع اللبناني، وضرب الوحدة الوطنية كي يسهل عليه تمرير الحل الإسرائيلي. فبلد تقوم وحدته الوطنية على التكامل بين المقاومة والشعب والجيش ضمن دولة مستقلة يصعب اختراقه، أو جعله عند فرض الحلول جائزة ترضية برسم المتضررين من الحل الشامل.
وافتعال الأزمات في تأليف الحكومة هو أفضل السبل لضرب الوحدة الوطنية والحؤول دون تفاهم عميق بين مختلف القوى الوطنية لمواجهة الأزمات المرتقبة وتصور حلول لها، فمن هذا المنطلق يعمل قسم من الأكثرية يريد إحباط الرئيس المكلّف من خلال فرض شروط مقيدة تمنعه من تحقيق الوحدة الوطنية وتدفعه لتغليب الاستئثار بالسلطة، وهذا ما يعزز الانشقاق والتشرذم.
إن التمثيل النسبي في الحكومة يحقق قاعدة عريضة للحكم تغطي مختلف شرائح المجتمع اللبناني، وينعكس هذا التمثيل قوة للحكومة، وبقدر ما تكون هذه الحكومة قوية يقوى رئيسها وبقدر ما تكون ضعيفة يضعف هو ويلجأ مضطراً إلى مراكز قوى غريبة تضعفه أكثر، لأن عليه أن يدفع ضريبة الدعم وذلك على حساب استقرار مجتمعه.
فالمعترضون اليوم على التمثيل النسبي، بالإضافة إلى طمعهم المفرط بالإستئثار بالسلطة يقعون في فخ القوى التي تعمل لتهديم الكيان اللبناني وتصادمه، فهم يعملون بذلك على إضعافه وإخضاعه بغية قبول ما يعرض عليه من حلول؛ فالقوى الخارجية التي تطل برأسها عند كل استحقاقٍ سياسي، هي مع من يصغي إليها من اللبنانيين، من يعرقل الحلول لضبط إيقاع السياسة اللبنانية على قياس مصالحها وليس على معايير المصلحة اللبنانية.
تجاه الأخطار المحدقة بلبنان، يجب أن يعمل المجتمع المسيحي على تحديد سلوكه تجاه هذه الأخطار وأن يعمل فعلياً لدرئها وليس للهروب منها والتفتيش عن هوية أخرى، من هذا الخيار الصريح والواضح يصبح المحرك الأول الذي يعيد الإستقرار إلى المجتمع اللبناني من خلال توجيه العدائية إلى حيث يجب أن تكون وليس إلى اللبناني الآخر. إن الوقت ليس متأخراً إلا لا سمح الله أن يكون البعض قد ذهب بعيداً في تورطه ولا يستطيع العودة إلى الوطن بعد هذه الغربة. فهل لدينا جرأة الحر المستقل كي نقرر اللقاء بأنفسنا ؟
العماد ميشال عون
15/7/2009