الاعتراض داخل التيار الوطني الحر: الحقيقة والأسباب
ليلى نقولا الرحباني -
لم تكن الضجة المضخمة والمفتعلة التي صاحبت تصريح اللواء ابو جمرة في جريدة المستقبل، استثنائية أو غير طبيعية على الساحة السياسية والاعلامية اللبنانية، بل على العكس ان المراقب للحملات الاعلامية على التيار الوطني الحر ورئيسه منذ سنوات أربع، كما ان المدرك لحجم الخطط الاعلامية والبروباغندا المعادية التي تمارس ضد التيار والتي يُدفع فيها الملايين من الدولارات تجعله يتوقع من معديها استثمار تصريح صحفي من هذا النوع.
وانطلاقًا من حالة التيار الوطني الحر، واذا اردنا ان نحلل الواقع السياسي الحزبي السائد في لبنان منذ ما بعد الانتخابات النيابية ولغاية تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الى اليوم، ماذا نرى؟
نرى أن الاحزاب اللبنانية جميعها تعاني حراكًا داخليًا قد يكون أقوى أو أخف من التيار الوطني الحر، وذلك على الشكل التالي:
- الحزب التقدمي الاشتراكي: منذ الانعطافة الجنبلاطية الشهيرة وانعقاد مؤتمر الحزب الاشتراكي، يعيش الاشتراكيون صراعًا داخليًا متزايدًا وحراكًا اعتراضيًا بسبب ما يقولون انه عدم قدرة المحازبين على استيعاب الانعطافة الاخيرة لجنبلاط، واعتبارهم ان جنبلاط غالى كثيرًا في تقديم التنازلات، بل وتعالت بعض الاصوات داخل الحزب التي تقول بوجوب البقاء ضمن 14 آذار وعدم السكوت على الانعطافة الاخيرة الخاطئة.
- حزب الكتائب: لم ينفك الكتائبيون يعانون من توتر وتشنج منذ ما قبل الانتخابات النيابية وخاصة بعدما اضطروا الى خوض معارك شرسة وطاحنة مع حلفائهم لاقناعهم بترشيح نواب لهم في المناطق المحسومة للموالاة، وكلنا يذكر أمر ترشيح سامر سعادة والخطابات المعادية التي اطلقها والتي اتهمت الحلفاء بممارسة وصاية واحتكار أين منها الوصاية السورية، بحسب تعبير سعادة. وسادت مقولات في كل المناطق اللبنانية تعتبر ان الذي يجري لم يعد مقبولاً، وانه يشكل امتهانا لكرامة الكتائب. ولم تكد تنقضي الانتخابات وتبدأ مرحلة تشكيل الحكومة حتى وجد الكتائبيون أنفسهم مهمشين لا يحسب لهم حساب، وكأن الحلفاء يعاقبونهم على وقوفهم "الاعمى" الى جانبهم. لذا يشهد حزب الكتائب اليوم، حراكاً متشنجاً يطالب قيادته بعدم تقديم تنازلات الى الحلفاء والانتفاض على الواقع، ويأخذون على الجميّل خضوعه الاعمى لسعد الحريري وتيار المستقبل.
- القوات اللبنانية: لعل الاكثر تشنجًا اليوم على الساحة الحزبية هم مناصرو القوات اللبنانية، وذلك بسبب تفاوت الخطاب الناري لقائدهم مع الواقع الفعلي على الارض. فخطابات جعجع النارية يقابلها توجه من قبل الحلفاء لمد اليد الى الخصوم السياسيين وسياسة اقامة الجسور مع كل من سوريا والمعارضة اللبنانية وخاصة حزب الله، وهو ما زال جعجع يحرض ضده لغاية الآن. زد على ذلك أن الوزراء الذين استطاعت القوات الحصول عليهم في الحكومة الحالية هم من غير كوادر القوات اللبنانية، بل ان أحدهم هو أقرب الى سعد الحريري منه الى القوات اللبنانية، ما يدفع بالجمهور القواتي الى الاحباط كونه يرى أن حسابات حقل حكيمهم لا تطابق حسابات البيدر، وما يسمعونه من صراخ وضجيج ما هو الا صرخات في وادٍ يقابلها شيكات بلا رصيد من الحلفاء لا تصرف في أي مكان.
- تيار المستقبل: يعيش المستقبليون اليوم تناقضًا حقيقيًا بين ما عاشوه منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما هم مقدمون عليه في المرحلة القادمة، لذلك ترى منهم المحبط، والثائر، والمقتنع، والقانع قسرًا لضيق الحال. فالعداء لسوريا والشعارات المناهضة للمقاومة ولقوى 8 آذار باتت من الماضي، وعلى المستقبليين التعود منذ الآن فصاعدًا، وخاصة بعد وصول سعد الحريري الى رئاسة الحكومة اللبنانية، على خطاب مغاير لما سمعوه خلال سنوات أربع من مفردات "العدالة الدولية الآتية لتعاقب سوريا"، والثأر للشهيد، واتهامات القتل الموزعة يمينًا ويسارًا والتي تلصق بكل مخالف للرأي أو مرشح ضد تيار المستقبل.
- حزب الله وحركة أمل، بسبب وجود تهديدات اسرائيلية مستمرة للمقاومة وباجتياح لبنان، وبسبب التركيز الداخلي على سلاح المقاومة ومهاجمته باستمرار، تنتفى امكانية الحراك الاعتراضي أو التململ الداخلي، فعند تهديد الوجود والمصير تنتفي كل التمايزات الداخلية، وبل ويكون الصوت المعترض عصفورا يغرد خارج سرب "الاجماع" على ضرورة وأولوية حماية المقاومة على كل ما عداها من خيارات سياسية داخلية.
- ننتقل الى التيار الوطني الحر، الذي يعاني حراكًا داخليًا مستمرًا منذ ما بعد عودة العماد عون من المنفى والانتخابات النيابية عام 2005. ولعل السبب الاساسي في هذا الحراك وتوزع الآراء الداخلية هو النمو السريع والهائل للتيار الذي انتقل من "حفنة من الشباب الجامعي" الى "كمّ هائل من المناصرين والملتزمين والمؤيدين"، يضاف الى هؤلاء كمّ من الوصوليين الذين استفادوا من المراحل السياسية السابقة، وتراهم اليوم يحاولون اقتناص الفرص وفرض أنفسهم في المواقع المتقدمة للتيار، وهو ما لا يستطيع "أهل التيار" هضمه.
ويضاف الى هذا النمو العددي، تبدل المعطيات السياسية والاقليمية التي فرضت على التيار وقائده اتخاذ قرارات استراتيجية وتبني سياسات مختلفة عن مرحلة ما قبل 2005، وهو أمر طبيعي في السياسة، فتبدل المعطيات السياسية والميدانية تفترض تبدلاً موازيًا في الخيارات والشعارات، ومن لا يستطيع تكييف نفسه مع التطور الحاصل مصيره "الانقراض السياسي"... هذا التبدل الطبيعي، لم يستطع "جميع" مناصري التيار ومحازبيه مواكبته وادراكه، لذا طفت الى السطح أسئلتهم التي تتجلى بـ: كيف؟ ولماذا؟ وهل تغيرنا؟.
ومن هذه اللمحة الموجزة لحراك الاحزاب اللبنانية الداخلي، يبدو من البديهي طرح السؤال التالي: لماذا يطفو حراك التيار الوطني الحر الى السطح وعلى صفحات الجرائد وفي وسائل الاعلام، بينما تبقى الحراكات الاخرى داخل الغرف الحزبية المغلقة؟
الاجابة سهلة. لأن النظام الداخلي للتيار الوطني وهيكليته، أعطى الحرية المطلقة للمحازبين في حرية التعبير عن الرأي والقول، ولأنه لم يقيد فكر المناصر أو المحازب، ولم يفرض عليه "قسم اليمين". لذا لا يخشى "المحازب" في التيار الوطني من تحويله الى محكمة حزبية تأديبية أو الى فصله من التيار بسبب "أقواله وتصريحاته". هذا بالاضافة الى تهافت الاعلام اللبناني على تتبع اخبار التيار ومغالاته وتضخيمه لكل فكرة أو رأي مخالف لقيادة التيار، وذلك استكمالا للخطة المرسومة سابقًا وهي "الاغتيال السياسي للعماد ميشال عون" وتشويه صورته.
بالتحديد، ان السبب في هذه الضجة المثارة حول الاعتراض داخل التيار الوطني الحر، يكمن في عاملين داخليين أكيدين وعامل خارجي. العاملان الداخليان هما الديمقراطية الكبيرة داخل التيار وعلى المستويات كافة، والعمل التطوعي الذي لا يخشى معه المحازب المعترض "قطع رزقه". أما العامل الخارجي فهو "الحرب الكونية" التي تشن على التيار الوطني الحر سياسيًا واعلاميًا وداخليًا وخارجيًا، والتي تستغل اي حركة داخلية اعتراضية محدودة لتضخيمها وتكبيرها وتحويلها الى انشقاق داخلي كبير.
http://www.tayyar.org/Tayyar/News/Po...8060143870.htm
opinions any1?
__________________
“How fortunate for governments that the people they administer don't think” ~ Adolf Hitler
Last edited by The Orange Cat; 11-24-2009 at 07:50 PM.
|