Vcoderz Community
We create websites that have it all, beauty & brains
Lebanon Web Design & Development - Coddict
 

Go Back   Vcoderz Community > Political Section > Political Forum

Notices

Political Forum « Politics from lebanon and the world... »

Reply
 
Share Thread Tools Search this Thread
Old 04-28-2008   #11
TAREK®
~ Golden Boy ~
 
TAREK®'s Avatar
 
Last Online: 06-14-2013
Join Date: Oct 2007
Posts: 11,464
Thanks: 11,906
Thanked 5,073 Times in 3,294 Posts
Groans: 190
Groaned at 82 Times in 72 Posts
Default Re: 26 April 2005: End of the Syrian oppression & Beginning of the American - Saudi o

هكذا عشت 13 سنة في السجون السورية...رواية علي ابو الدهن

كلير فغالي
"بدأت جلجلتي منتصف ليل الاثنين 28 كانون الاول 1987. كان اليوم الاول لمخاض عسير لم أدرك انه سيرافقني ما بقي من عمري. قد تختلف والدتي معي على تحديد تاريخ ميلادي... هي تظن انها وهبتني الحياة في 5 ايار 1950... لكن تاريخ مولدي الحقيقي هو عند السادسة وثلاث دقائق فجر 15 كانون الاول 2000، يوم اعادني سجّاني السوري الى عائلة لم تعد تألفني، والى دنيا رحلت منها والدتي ظناً منها انها ستلاقيني، فكان ان اضاعتني في الاولى وفي الآخرة...
واليوم، تراني أنصح للناس بالتوبة، أياً تكن ديانتهم وهما اختلف ايمانهم... لأنني زرت الجحيم وعدت منه شاهداً على ما فيه. وفي ما يأتي بعض من حياتي التي أمضيت معظمها مغيباً في سجون سوريا، عل من يقرأها يعرف ما عانيت، وما يعانيه من يقبعون بعد في الظلمات".
كان حلمي أن أهاجر إلى أوستراليا طلباً للرزق والعيش الهنيء. في تلك الفترة، اي في عام 1987 فرضت الظروف الامنية واحتدام المعارك نقل السفارة وطاقمها إلى دمشق، فبات على اللبنانيين الراغبين في الهجرة التوجه إلى سوريا. هناك، استضافني وزوجتي وابنتي نانسي، التي لم يتجاوز عمرها السنوات الثلاث أحد الأقارب... وفي منتصف ليلتنا الثانية في دمشق أيقظتني زوجتي برعب وهي تصيح: علي...! علي...! فتحت عيني مذعوراً، فإذا برجل يقف فوق رأسي، يقول:
- السيد علي؟
- نعم، مين انت؟
- أنا من المخابرات... سيارتك عليها شوية إشكالات بالدخول.
شريط صور سريع مر في ذاكرتي: أوراقي في السيارة، الثلج يتساقط ، وفي الخارج برد قارص... ناولتني زوجتي معطفاً من الجلد فلبسته فوق ثياب النوم ورافقت الرجل إلى الخارج. فتحنا الباب فإذا بثلة من عناصر الاستخبارات يقفون بكامل عتادهم.
التفت الرجل إلى زوجتي وقال: "ما تخافي، ساعة بيشرب فنجان قهوة عندنا وبرجعلك اياه ...".
تعلقت زوجتي بي، راجية الرجل: "خيّي خذ السيارة، إفحصها، خلّيلك إياها، بس أترك لي زوجي...!"
أمرني ضابط بركوب سيارته الصغيرة من دون ان آتي بحركة أو أحدث ضجة. أصر على أنني ذاهب معه الى جلسة استجواب روتينية والمأمور. "فهمت خيو ؟"
وصلنا على الفور إلى فرع السويداء حيث فتشوني وصادروا "الممنوعات"، ودونوا إسمي في سجل من دون ان ينسوا تفاصيل أخرى على علاقة بهويتي. وضعوني في غرفة منفردة كبيرة وجدت فيها حرامين متسخين... لم اعرف الا لاحقاً انهما ربما كانا أنظف ما رأيت.
عند التاسعة في صباح اليوم التالي، فتح الباب فصاح بي احدهم: "ولاه خنزير! فزّ واقف على رجليك بسرعة يا حمار!"
كبلني وعصب عيني، وقادني من الأصفاد على هواه. فإذا بي مرة ألطم الحائط وأخرى أقع. جرجرني إلى أن وصلنا الى احد المكاتب حيث سمعت صوتاً هادئاً يقول: "علي إنت حوّلوك إلى الشام، ومن هناك ستنتقل إلى بيروت إن شاء الله . نحنا ما بدنا منك شي. سلموه الأمانات وخلوه يبصم، إنتبهوا بهمنا أمره...".
عندما وصلنا إلى الباب الرئيسي، زودوا الحارس كلمة السر ورقم المهمة وبرقية دون ان يأتوا على ذكر اسمي. ثم انطلق الجيب بسرعة إلى الشام حيث "فرع المنطقة" المعروف بـ"فرع المسلخ" .
هناك نقلوني إلى الطبقة الثالثة. بقيت في الممر نحو 15 دقيقة اتعرض للركلات والضرب من قبل كل من يمر بجانبي. وعندما دخلت غرفة المحقق قال لي:
- يا علي في خبرية عنك مش كويسه..! شو بدنا نتفاهم وتقلنا شو هي؟ لم اعرف قصده. لم افهم. اراد مني ان اعترف بعمل لم اقم به، ولم اعرف اصلاً ما هو. فرفضت. صاح، صرخ، واجلسني في الكرسي الالماني، ثم بدأ يدوسني جاذباً كتفي الى خلف... فأغمي علي، ونقلت الى زنزانة.
عذبوني بالكرسي في اليوم التالي ايضاً، وجلدوا ظهري وكتفي بكابل كهربائي بأربعة أطراف، يسمى كابلاً رباعياً. منعوا عني النوم. وكنت كلما غفوت، يضرب الحراس باب الزنزانة بأرجلهم ثم يرمون علي ماء... وبعد ايام، وضعوني في كرسي حديد وألصقوا به طاولة. فكّوا القيد الذي كبل يدي وراء ظهري، ثم أمروني بوضعها على الطاولة، وربطوا كل يد على حدة. كنت معصوب العينين، لكني احسست بأنهم يلصقون قطعة ما على جفني وفي أذني وخاصرتي، وتحت أبطي وعلى أحد أصابعي، ثم أمروني بأخذ نفس عميق. هزت صاعقة كياني… لم اتمكن من الصراخ، حتى صوتي خانني. كان الالم ينخر عظامي، يسير في شراييني، يوقف قلبي. أعادوا تعذيبي بالكهرباء مرات عدة، وكانوا بين الصعقة والأخرى يسألون: "شو؟ قابلته ولاّ لأ؟" بعدها أمر المحقق الشرطي بتغيير مواضع الشحنات الكهربائية، فوضع الشريط اللاصق على عضوي التناسلي... وصعقني مرة ثانية، فأغمي علي. لا أدري كيف عدت إلى الزنزانة، ولم أذكر ما اذا كنت ذهبت إليها بمفردي أم بمساعدة أحد...
استمر التعذيب شهرين كاملين، فاضطررت الى الاعتراف مكرهاً بذنب لم ارتكبه.


"فرع فلسطين"

في 6 ايار 1988، نقلوني من "المسلخ" الى فرع فلسطين. بقيت يداي مكبلتين وراء ظهري شهرين كاملين. تيبسّت كتفاي، وما زلت الى اليوم اعجز عن تحريكهما كما يجب. هناك، بدأت مرحلة جديدة من حياتي، أمضيت معظمها في الزنزانة الافرادية. حاولت ممارسة تمارين رياضية كي لا اموت جالساً. كان طول الزنزانة لا يتعدى 1,90 سنتيمتراً. فإذا بي امشي يوميا 3 كيلومترات: 1580 مرة ذهابا وايابا، حتى تلمس كتفي الحائط ثم اعود الى الباب.
حاولت ايضاً ممارسة اليوغا، رغم جهلي التام بهذه الرياضة الروحية، فتربعت ووضعت يديّ على ركبتي، وركزت على رأس انفي محاولاً رؤيته في الظلمة... كان الاهم ان يمر الوقت... كيفما كان.
كان مضى على وجودي في السجن الإنفرادي أكثر من خمسة أشهر عندما بدأت ثيابي بالإهتراء. ولشدة الضرب والتعذيب في الدولاب والكرسي الألماني تمزق سروالي. وصرت كلما أخرج لتلبية الواجبات اليومية أو لقضاء حاجتي، يركلني الحارس صارخاً: "ولاه قطب بنطلونك!".
ضقت ذرعاً، واستجمعت شجاعتي وسألته: "كيف أصلح سروالي من دون إبرة وخيط؟".
كان لقبي 13، تيمناً بالزنزانة التي قبعت فيها. وبعد عودتي اليها، ناولني الحارس الخيط ثم الابرة من الكوة الصغيرة في الزنزانة، واسمها "الشراقة"، مهدداً بقتلي لو اضعتهما.
لففت الخيط حول الاصبع الوسطى من اليد اليسرى مستعيناً بيمناي، وشككت الابرة في اصبعي كي لا تضيع. نجحت في ادخال الخيط رغم الظلام الحالك في الزنزانة الافرادية، وقطبت سروالي. ثم صليت طويلاً، وضربت الباب.
- مين ؟
- أنا 13 سيدنا، قطبت البنطلون.
- ولاه عندك ضو؟ هلأ بعلمك.
عند السادسة مساء أخرجوني الى المرحاض، وكان الحارس يتربص بي. كان سروالي مقطباً بالفعل، فاتهمني بأنني ركبت لمبة في زنزانة لا كهرباء فيها، وانزل بي عقاب الفلقة في الدولاب... كنت لم أر الشمس منذ أكثر من خمسة أشهر... قال إنني عميل اسرائيلي من الدرجة الأولى، قادر على ان أبصر النور وان في الظلام الحالك.


صديقي الجرذ

قبعت طويلاً في الزنزانة الافرادية، حتى بات لي في كل ذرة غبار وعرق منها قصة حزن وقنوط... كنت لأهرب من الظلام ألجأ الى الذكريات الحلوة والأليمة.
في إحدى المرات، جلست أتحسس الحائط وأمسحه، فوجدت في الغرفة حفرة صغيرة لا يتجاوز قطرها استدارة السبابة... كم تمنيت لو أستطيع الخروج منها.
في هذا الوقت، نما بين السجان وبيني نوع من الألفة، او قل التعاطف الانساني. فصار يسمح لي بالاستحمام بعدما وعدته بغسل بيجامته. اسمه "سكر"، وقد تكرّم عليّ في ساعات دوامه بمعلقة آكل فيها طعامي.
من كثرة الضجر صرت أستعمل الملعقة لتوسيع الحفرة في أسفل جدار الزنزانة، فيمضي الوقت وقصص الجدار الحزين ومآسي من مروا به تتآكلها ملعقتي، وانا أكافح كي لا يقتلني السأم واليأس... حتى سمعت صوت خربشة في الغرفة.
كنت نائماً. لا اعرف اذا كان الوقت نهاراً ام ليلاً. مددت يدي، فإذا بها تلمس جرذاً. كنت أعرف أن الفئران والجرذان تحب البيض والجبن. فقررت التخلي عن حصتي اليومية منها لصالح رفيقي الجديد. بعد نحو أربعة أيام، عاد الجرذ من الحفرة ذاتها في الجدار. واقترب من يدي، سرق قطعة البيض ثم هب راحلاً. كانت حصتي من الجبنة البيضاء توازي ثلث قطعة الـ"بيكون". وقد خٌيل إلي أني لو أكرمت صديقي بحصتي اليومية من الجبنة فلن يخذلني ابداً.
خبأت قطعة الجبن داخل الحفرة الصغيرة، ملفوفة بقطعة نايلون، عل رائحتها تجذب الجرذ. وبالفعل صحوت في احد الايام عليه وهو يحاول سحب القطعة. ففتحت النايلون وأمسكت بالجبنة بين إبهامي والسبابة... اقترب فشعرت بلسانه يلحس اصابعي.
كان صغيراً، وقدرت اني اول بشري يطعمه وجبة محترمة، وضعت يدي على رأسه فلم يحرك ساكناً ولا حاول الهرب. فركت حاجبيه، فشرع يلحس راحة كفّي وكأنه يقول لي: "ولا يهمك يا علي، عيش، أنا زميلك الجديد". شكرته بصوت عال كي يحفظ صوتي.

نما بيننا نوع من الثقة فبات يأتيني كل يوم طلباً لحصته من البيض والجبن، ويبادلني الجميل فيسمح لي بمداعبته ساعات. سررت في قرارة نفسي لأنه لم يحب اللبنة، فلا انا اموت من الجوع، ولا هو. كنا شريكين في الظلمة والجوع وانقطاع الهواء.
استمرت صداقتنا نحو تسعة اشهر، قضيتها كلها في السجن الافرادي، الى ان قرر المسؤولون التكرم علي بثلث ساعة يومياً تحت نور الشمس، فيتسنى لهم معاينة الزنزانات التسع عشرة.
كنا ممنوعين من الكلام ونحن تحت قرص الشمس. حتى النور كان مغموساً بالذل والاحتقار، فنضرب اذا رفعنا رؤوسنا كي لا يتعرف أحدنا الى السجناء.
كنا نعود الى الزنازين وفق تسلسل رقمي، فيصيح الحارس: 1، 2، 3...12، 14...19.
توالت الارقام، ولم ينادني أحد. أبقوني حتى النهاية، ولم أعرف لماذا... خفت... اتهموني بحفر الغرفة للهرب. حاولت الانكار فضربوني.
عندما دخلت الزنزانة وجدت الحفرة مغلقة. خسرت أعز صديق لي، وأقرب كائن إلى الإنسانية عرفته منذ تاريخ إعتقالي. كأن الموت لم يكن يكفيهم، صار علي أن أموت وحيداً... وحيداً دونما دفء الجرذ الذي كان يجلس في حضني ليطرد من زنزانتي شياطين الخوف والوحدة.
لعنة الله عليهم.


فرع التحقيق العسكري

قضيت معظم الاوقات أفكر ماذا أقول اذا طلبوني للتحقيق مجدداً، أتخيل ماذا يسألون، كيف أرد، كيف يضربونني ولا أشعر بالالم. أحياناً، كنت أحاول تذكر فيلم سينمائي، أتصور نفسي في دور البطولة، أعدل السيناريو، فأدخل ممثلين جدداً أو أنهي حياة البطل كما أشاء، ثم اعيد احياءه... شعرت مرات بأني اسمع هتاف الجمهور مستحسنا، ورأيت المخرج الاصلي يرمقني بنظرات حسد ولؤم.
تذكرت أيضاً قصصاً قرأتها في العربية، وصرت اتمرن على نقلها الى الانكليزية كي لا انسى الكلمات، وأتخيل نفسي أبحث عن الالفاظ في القواميس. أعتقد ان هذا ما حال دون اصابتي بالجنون... ولكني بقيت منسياً في الافرادي 9 اشهر... إلى أن صدر أمر بتحويلي إلى سجن آخر.
انتقلت الى فرع التحقيق العسكري... وظننت بحسب ما أوحى لي المحقق أنه سيطلق سراحي .
كنت برفقة 13 شخصاً بينهم تسعة لبنانيين وثلاثة سوريين. جلسنا في غرفة واحدة الى أن أخذت لنا الصور وأعطينا فيشاً وأرقاماً للتحقيق. حوّلوني بمفردي الى الغرفة رقم 5 فيما توزّع الباقون على الغرف المتبقية... فازداد عدد نزلاء الغرفة واحداً، وأصبحنا 112...
كانت المرة الاولى منذ عشرة شهور أجلس فيها مع اناس، بشر، فصعقت للضجيج والصخب والتدخين... هناك، دخنت سيكارتي الأولى بعد طول انقطاع...
ما إن أجلسوني في إحدى الزوايا المحشورة حتى انهالت علي أسئلة المسجونين: "شو التهمة؟ شو عامل؟ معك فلوس؟ محكوم؟". لم أقل سوى أنني لبناني، متسائلا كم واحدا من أبناء وطني يشاركني الزنزانة، فتبين اننا في الغرفة هذه فقط أكثر من عشرين، بينهم الشاويش.
ذهبت إليه وعرّفته عن نفسي، وإذا به من الجبل ولنا أصدقاء مشتركون. فدعاني إلى النوم بجانبه، كان عضوا في الحزب التقدمي الاشتراكي وعلمت في ما بعد أنه غادر السجن بعد سنة ونصف سنة، بعدما سحبه (النائب) وليد بك جنبلاط...


سجن تدمر

بعدها، نقلت الى سجن تدمر، حيث تكثر القصص...
كنا في المهجع كلنا لبنانيين ولا طبيب بيننا. أحدنا شاب لبناني يدعى حسن هوشر من إحدى قرى عكار. كانت الليلة السابعة والعشرون من شهر رمضان المبارك، ليلة القدر. أصيب حسن بإسهال شديد وبعد زهاء ساعتين تبع الإسهال إعياء مريع. عند الثانية صباحاً اشتد المرض على حسن، فقرع المسؤول الصحي الباب مطالباً بحضور طبيب مختص. كان المسؤول الصحي لدينا شاب خضع لدورات تدريب في الصليب الأحمر ولكنه لم يعرف كيف يعالج الموقف. قرع المسؤول الصحي ثانية فرد الرقيب صائحاً شاتماً: "ما بتدق الباب الا لما يموت".
شل الخوف والهلع تفكيرنا، فإذا بنا تارة نرفع رجلي حسن الى اعلى لينزل الدم الى رأسه او نفرك رأسه وهو يتلوى... مر علينا الزمن ببطء. عند الفجر قرعنا الباب مجدداً. قلنا للحارس ان حسن مات، فأجابنا "عقبى للجميع".
أما حسن المسكين، رحمه الله، فصلينا على جثمانه ليلاً وغسلناه على الطريقة الشرعية، كانت المرة الاولى أشاهد فيها غسل ميت. سمعت رفاقي يقولون أنه دخل الجنة، لأنه شهد على روحه وكانت ليلة القدر.
في الصباح، جاءنا مدير السجن. سألنا عما جرى واخبرناه. فأمرنا بأن نقول للجميع ان حسن "وقع داخل الحمام ومات، وان الحارس والرقيب لم يقصرا معنا بشيء". أما حسن هوشر فأخذوه من المهجع عند السابعة والنصف. وعلمت في ما بعد أن الجثة سلمت إلى ذويه ودفن دون فتح النعش.


من صيدنايا الى الحرية

عشت ذليلاً في تدمر الى ان نقلوني الى صيدنايا. هناك، كان الوضع افضل. وفي أحد الأيام بينما كنت أتمشى في باحة المهجع مع زميل لي، وصلنا إلى الباب الرئيسي، وإذا بالمساعد المناوب يثبت نظره علي: "أبو دهن قرّب! بدك تفل، جهز تيابك".
تجمدت. لم أعرف فعلا ما أفعل، أو بما أشعر، لكأن عقلي توقف فجأة من الدهشة، أو الصدمة أو الفرح...
جن جنون زملائي وبدأوا بتجهيز عدتي للرحيل. لم يكن لدي الكثير... قررت إعطاء ما لي من قطنيات إلى المساجين، فرفضوا بحجة أن لا أحد يعلم ما ينتظرني في سجون بيروت، لأن الدولة اللبنانية ليست هي صاحبة القرار، وقد أسجن هناك أيضا. كان هذا في الثامن من كانون الأول من العام 2000، الساعة الخامسة تقريبا. بكوا، ترجوا: "أبو وليد لا تنسانا بالله... أذكرنا... إتصل بكل المحافل الدولية، أنقل إليهم الأخبار كلها، عل وعسى يفرجها الله علينا. فالرأي العام والمنظمات الدولية بيطلع بإيدا... أطلبوا منهم أن يصدروا بيانات رسمية تطالب بإلافراج عن المساجين السياسيين... عنّا هون ما بيخافوا إلا من برّا".
وصل عددنا يومذاك إلى 45 لبنانيا و9 فلسطينيين كانوا يعيشون في لبنان، منهم من أتى من المزة، وآخرون من فرع فلسطين وصيدنايا، فتدمر وفرع المنطقة. وبعد ثلاثة ايام اضافية في السجن، انطلقنا من الشام... كانت عيوننا معصوبة في ذاك الباص العسكري ولكن الذاكرة عادت بي إلى سنوات خلت، وعرفت الشام جيدا. فبدأت أقدر الطريق: هنا ينتهي طريق عام المزة... طريق المصنع، وبدأ قلبي ينبض بسرعة.
سمعنا أبواق السيارات مع اقتراب البوسطة من الخط العسكري على الحدود! ورأيت المطر! الأهالي! والسيارات بالعشرات تنتظرنا! أضواء تومض! وبدأنا نصرخ: وقفوا! بدنا نشوف أهلنا! فكوا الكلبشات! بسرعة! شو نحنا يهود؟!
رأيت الناس الذين ينتظروننا تحت المطر، يلوحون بأيديهم، يرسلون قبلاتهم في الهواء...
رأيت الثلج على طريق ضهر البيدر، واستمتعت بفرح غريب بالزمامير والأبواق التي انطلقت من السيارات... كان عناصر الشرطة اللبنانية في هذا الوقت فككوا كل قيودنا... إلا قيدي أنا بعدما اضاعوا المفتاح. بكيت بحرقة وألم...
ومع اقترابنا من بيروت، بدأ قلبي يخفق بسرعة أكبر، وأحسست بجسمي يتنمل. اقشعر بدني...
فرحتي في لبنان فرحة العمر...
نمنا في سجن وزارة الدفاع في اليرزة يومين ثم نقلونا إلى قصر العدل وبعدها أطلق سراحي...
عرفت ان امي فارقت الحياة قبل خروجي من السجن بخمسة اشهر... خمسة اشهر فقط. بناتي الثلاث كبرن، وتزوجت احداهن.
وصل شقيقي من السفر بعد إطلاقي بأسبوع. أخبرني عن عذاباته. فهمت أنه طرق باب المسؤولين السياسيين جميعهم، وان احدهم حمله رسالة إلى آمر السجن في تدمر، وإلى مصطفى طلاس وعبد الحليم خدام، ورؤساء المخابرات في سوريا... قال لي ان رئيس فرع التحقيق كمال يوسف لم يجد إسمي في لوائح "المسلخ"... وكيف يفعل إذا كنا كلنا مدرجين على شكل أرقام؟
تهرب الجميع وتنصلهم في تلك الفترة قصرت من عمري وعمر أهلي... ممهدة الطريق أمام فصول لا تنتهي من الخيبة والقهر.

كتاب


بدأ علي كتابة مذكراته قبل خمس سنوات، وهي تقع في أكثر من 120 صفحة. الا ان الكتاب الذي بات جاهزاً لم يبصر النور الى اليوم نظراً الى نقص التمويل الخاص، واستمرار تجهيل قضية المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية، رغم انسحاب الجيش السوري.
اعتقال تعسفي


لم يدرك علي سبب اعتقاله ولا الافراج عنه، وهو لم يحاكم ولم يدن. بقي 13 سنة في السجن بين عامي 1987 و2000، تاريخ خروجه. وقد عاد الى منزله، والى عائلته التي صعقت برؤيته حياً.

Tayyar.org


TAREK® is offline   Reply With Quote
Reply

  Vcoderz Community > Political Section > Political Forum

Tags
2005, american, april, beginning, end, oppression, saudi, syrian



Currently Active Users Viewing This Thread: 1 (0 members and 1 guests)
 

Posting Rules
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is On
Smilies are On
[IMG] code is On
HTML code is Off

Forum Jump


All times are GMT +1. The time now is 02:18 AM.


Lebanon web design and development
Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
Ad Management plugin by RedTyger
Share